dimanche 9 juin 2013

مشروع القانون الأساسي المتعلق بالتحصين السياسي أي مشروعية ؟ أي دستورية ؟

تقدم منذ مدة عدد من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي ينتمون لكتل برلمانية مختلفة، نخص بالذكر منها كتلة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وكتلة حركة النهضة وكتلة وفاء بمشروعي قانون يتعلق الأول بتنقيح المرسوم عدد87 لسنة 2011 المؤرخ في 24 نوفمبر 2011 حول الأحزاب السياسية ويتعلق الثاني حسب المبادرين به "بالتحصين السياسي للثورة" تولى إحالتهما رئيس المجلس على لجنتي التشريع العام من جهة والحقوق والحريات من جهة ثانية. وقد فررت لجنة التشريع العام دمج المقترحين "اعتبارا أنهما متحدين في الموضوع". وقد جاء في شرح أسباب مقترح مشروع تحصين الثورة ما يلي: "إن من طبيعة الثورات وخاصة السلمية منها أن تنشأ غضة طرية وسرعان ما تعالجها رياح سموم الثورة المضادة التي تسعى لاقتلاع النبتة من أصولها أو على الأقل تشويه نموها وحرفها (هكذا) عن اتجاهها الصحيح و وإن من واجب القائمين والمؤتمنين على الثورات أن يبادروا إلى تحصين الثورة منذ بدايتها لتتمكن من تثبيت أصولها في عمق الأرض التي نشأت عليها ومد فروعها وارفة نحو الأفق الذي ترنو إليه. وقد كان من واجب من تحملوا المسؤولية غداة الثورة أن يبادروا لسن قانون يحصنها من عودة الفاعلين في الاستبداد ولكن ذلك لم يتحقق لأسباب عدة، وما كان لهذا النقص الفادح أن يتواصل فمن واجبنا تجاه الثورة والوطن وتحقيقا لبعض أهداف الثورة وبرا بعهد الوفاء لدماء الشهداء والجرحى وحتى يكونفي مجلسنا رجع لصدى الصيحات والحناجر التي بحت (هكذا) في اعتصامات القصبة منادية بتحصين الثورة من أعداءها فقد رأينا أن نبادر لتقديم مشروع قانون في التحصين السياسي للثورة". يخال السامع أو القارئ لهذا المقتطف من شرح الأسباب أنه نص صادر عن قلم الطاغية السوفييتي ستالين لما أباد الملايين من أبناء شعبه بادعاء انتماءهم للثورة المضادة أو عن قلم الزعيم الصيني ماوتسي تونغ لما أطلق عنان الثورة الثقافية أو من لا يقل على الأولين طغيانا ودموية الكمبودي بول بوت لما صفى هو الآخر باسم تحصين الثورة الملايين من أبناء شعبه الأبرياء. وقد اقتصرنا على ذكر هؤلاء الثلاثة حتى لا نغور في طيات التاريخ. فكم من جرائم إبادة جماعية وكم من جرائم في حق الإنسانية ارتكبت بدعوى تحصين الثورات والدفاع عنها. و ينص الفصل الأول من مشروع القانون الذي يقع في في أحد عشر فصلا دون تبويب على الهدف من مشروع القانون وهو : "إرساء التدابير الضرورية لتحصين الثورة تفاديا للالتفاف عليها من قبل الفاعلين في النظام السابق". وسوف نحاول في هذا التعليق على المشروع التعرض بداية لمدى مشروعية هذا القانون قبل أن نحلل مدى دستوريته. 1 – مشروع فاقد لكل مشروعية يستنتج من خلال ما جاء في شرح الأسباب من جهة، ومن خلال ما نص عليه الفصل الأول من المشروع من جهة ثانية، أن غاية هذا القانون أخلاقية سامية. فهو يرنو إلى "تحصين ألثورة" أي إحاطتها بحصن أي بجدار دفاعي أو برباط وقاية لها من "الالتفاف" عليها ممن يتربص بها من "الفاعلين في النظام السابق". ورغم الإبهام المطلق لمختلف هذه العبارات والجمل، يفهم من السياق العام الذي تمر به البلاد، أن الثورة المعنية هي الثورة التونسية المنعوتة بثورة الكرامة والحرية المندلعة رسميا يوم 17 ديسمبر 2010 والمتوجة بهرب رئيس الدولة آنذاك، زين العابدين بن علي، يوم 14 جانفي 2011. أما المتربصون بالثورة فهم حسب التعبيرات المتداولة أزلام أو رموز أو فلول النظام السابق وقد نعتوا في المشروع بكونهم "الفاعلين في النظام السابق" لتوفر صفات فيهم خلال فترة تاريخية معينة "في الدولة أو في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المحلول" (هكذا : المحلول). وللتدقيق في مدى رجاحة هذا المشروع وجب التوقف عند الفئات والأشخاص المستهدفين الذين يضع مشروع القانون على كاهلهم قرينة الالتفاف على الثورة. فالالتفاف على الثورة لم يعرف لا صراحة ولا تلميحا، بل وقع التعامل معه على أنه معطى موضوعي وأن توفره حكر على من نعتوا ب" الفاعلين في النظام السابق" وهم حسب المشروع الذين تولوا مسؤوليات معينة صلب الدولة او حزب التجمع الدستوري الديمقراطي (المحلول) بين 7 نوفمبر 1987 و14 جانفي 2011، علما أن الفصل 2 من المشروع تعامل بانتقائية مشبوهة مع مختلف الوظائف إذ ادرج بعضا منها دون أخرى خاصة عضوية مجلس المستشارين. وإذا حاولنا التعمق في مفهوم الالتفاف على الثورة أو مفهوم قوى الثورة المضادة، لتبين لنا أن هذا المفهوم تم تعريفه بالرجوع إلى صفات إدارية أو سياسية أو حزبية تقلدها شخص مدة من الزمن ولم يعرف اعتمادا على أفعال مادية مخالفة للقانون أتاها فرد أو جماعة للرجوع إلى الوراء والدعوة للتخلي عن المبادئ التي قامت من أجلها الثورة، وعليه فإن القوى المضادة للثورة يمكن أن تنتمي لأي تيار فكري أو سياسي أو ديني أو ثقافي أو اجتماعي ويمكن أن تتوفر على حد السواء في الفاعلين في النظام السابق ولكن أيضا في الفاعلين في النظام الحالي الذين تنكروا لمبادئ الثورة وانحرفوا بها لإقامة نظام تيوقراطي استبدادي وللاستيلاء على مفاصل الدولة وذلك بشهادة رئيس الجمهورية المؤقت نفسه وبالتمديد في التفويض الشعبي إلى ما لا نهاية له وبالتغاضي عن ممارسي العنف والقتل والإرهاب والتسامح مع الخارجين عن القانون. انطلاقا من هذه المعطيات يبدو جليا أن الهدف الحقيقي وغير المعلن من هذا المشروع ولكنه غير خاف عن أولي الألباب بعيد كل البعد عن كل غاية أخلاقية و الهدف ليس تحصين الثورة بل هو تحصين فئة سياسية معينة ألا تفض التداول عن السلطة والاحتكام لصاحب السيادة أربكتها استطلاعات الرأي التي أكدت بصفة منتظمة تنامي شعبية حزب حركة نداء تونس ورئيسه الأستاذ الباجي قائد السبسي فلم تجد غير هذه الطريقة الخسيسة لإقصاء أهم خصومها السياسيين. فهي غير واثقة في نفسها وتعتبر أن الناخب قاصر لا يتقدم لنيل صوته إلامن يرضى عنه النظام الحا لي وخاصة حزب النهضة لا غير. وفي هذا المعنى كتب الأستاذ حاتم مراد : " En Tunisie, la loi d’exclusion se veut une vengeance collective, radicale, sans nuance, sans distinction, contre toute l’ancienne classe politique au pouvoir mise dans le même sac : les mauvais, les moins mauvais et les bons » إضافة إلى كل هذا، فإن هذا المشروع، إذا ما تمت المصادقة عليه ثم إصداره ونشره، غير قابل للطعن بعدم الدستورية أمام مجلس أو محكمة دستورية باعتبار غياب مثل هذا الهيكل في ما يعبر عنه ب"الدستور الصغير"، شأنه في ذلك شأن القوانين الجائرة التي صدرت قبل ديسمبر 1987، أي قبل إنشاء المجلس الدستوري. فالمجلس التأسيسي أسند لنفسه جزافا، بمقتضى القانون التأسيسي عدد 6 الصادر في 16 ديسمبر 2011، سلطة تشريعية غير مقيدة وغير خاضعة للرقابة، ويا لخيبة المسعى. فالشعب التونسي، الذي رفعت ثورته شعار الحرية ودولة الحق، يجد نفسه اليوم بين مخالب مشرع، أي في الواقع أغلبية سياسية نسبية، طليقة اليدين تسطر له وتفصل ما تشاء من القوانين، كلها محل جدل ومعارضة ولا معقب ولا رقيب عليه. 2 – مشروع مخالف للمبادئ الدستورية الحالية من المفارقات العجيبة أن مشروع القانون الأساسي موضوع دراستنا مخالف لما سطره ووضعه المجلس الوطني التأسيسي نفسه في القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية. كما إنه مخالف لقرار المجلس القومي التأسيسي الصادر في 25 جويلية 1957 المتعلق بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية.وهو أيضا مخالف للمبادئ العامة للقانون 2 – 1 . خرق مشروع القانون للقانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية نعت القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية ب"الدستور الصغير" معنى ذلك أنه يعتبر، وإلى حين صدور الدستور الجديد، المرجع والمعيار لكل شرعية قانونية، فهذا النص منزل منزلة الدستور المؤقت ويحتل المرتبة العليا في هرم القواعد القانونية وعليه فإن النصوص التشريعية لا بد أن تكون مطابقة لنصه ولروحه ومتلائمة معهما. وبتحليلنا لمقتضيات مشروع القانون الأساسي المتعلق بالتحصين السياسي للثورة سوف نبرز أن هذا المشروع مخالف لما جاء في توطئة الدستور الصغير وخاصة لما نصت عليه الفصول 4 و6 و24. 2 – 1 -1 . خرق توطئة القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية اقتضت توطئة "الدستور الصغير" ما يلي : "وحرصا على إنجاح المسار التأسيسي الديمقراطي وضمان الحريات وحقوق الإنسان". ويترتب عن هذه الجملة أن مهمة المجلس الوطني التأسيسي تتمثل في إنجاح المسار التأسيسي وذلك بضمان أحسن الظروف وأصلح الممهدات لممارسة ديمقراطية حقة تتيح لكل مواطن ممارسة جميع حقوقه السياسية والمدنية دون تقييد أو شروط إقصائية وعلى قدم المساواة مع جميع المواطنين. ومن هذه الحقوق الأساسية حق الانتخاب والترشح و ممارسة الوظائف العمومية دون تمييز من أجل العرق أو الأصل او الجنس أو الانتماء السياسي. وقد التزم المجلس الوطني التأسيسي بضمان الحريات وحقوق الإنسان وذلك لا يتسنى بالإقصاء والتمييز بين المواطنين الذين لم يثبت في شأنهم ارتكاب جرم أو جنحة تخول حرمانهم من حقوقهم. وباعتبار أن مشروع القانون الأساسي المتعلق بالتحصين السياسي للثورة استثنى عددا من الأشخاص المعينين صراحة من أجل اضطلاعهم بمسؤوليات سياسية أو إدارية معينة خلال الفترة المتراوحة "بين 7 نوفمبر 1987 و 14 جانفي 2011" وحرمهم من حقوقهم الثابتة لمدة زمنية حددها مشروع القانون ب"سبع سنوات من تاريخ دخول القانون حيز النفاذ".وقد بين الفصل 2 من المشروع الفئات المعنية بالحرمان و هي : - وزير أول أو وزير أو كاتب دولة أو مدير أو عضو بديوان رئيس الجمهورية ممن لهم رتبة وزير. - مرشح الحزب المذكور لمجلس النواب - رئيس أو أمين عام أو أمين عام مساعد أو عضو الديوان السياسي أو اللجنة المركزية أو كاتب عام أو عضو لجنة تنسيق (باستثناء ممثل المقاومين) أو كاتب عام او عضو جامعة ترابية أو مهنية (باستثناء ممثل المقاومين) أو رئيس شعبة ترابية أو مهنية أو مدير ممركز الدراسات والتكوين. - رئيس أو عضو الهيكل المركزي ل"منظمة الشباب الدستوري الديمقراطي و منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي - كل من ناشد زين العابدين بن علي للترشح لانتخابات 2014" أما ميدان الحرمان فينطبق على ما يلي : - الترشح لرئاسة الجمهورية أو لعضوية المجلس المكلف بالتشريع أو لعضوية أو رئاسة الجالس البلدية أو أي مجالس لها صفة الجماعات العمومية - تولي رئاسة الحكومة أو عضويتها - تولي إدارة ديوان رئيس الجمهورية أو ديوان رئيس الحكومة أو ديوان رئيس الجلس المكلف بالتشريع - تولي مهمة المحافظ أو المحافظ المساعد للبنك المركزي التونسي - تولي مهمة سفير أو قنصل أو وال أو معتمد - رئاسة أو عضوية أي من الهياكل القيادية المركزية أو الجهوية في الأحزاب السياسية أو عضوية هيئاتها المؤسسة مع التذكير من ناحية أن منطلق تاريخ الإقصاء عين في المشروع الأول 2 أفريل 1989 وأن من ناحية أخرى العديد من الفئات المحرومة من الحقوق كانت تعرضت لعقاب الحرمان من الترشح لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي بمقتضى الفصل 15 من المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المتعلق بانتخاب مجلس وطني تأسيسي. 2 – 1 – 2. خرق الفصول 4 و 6 و 24 أقتضى الفصل 4 من الدستور الصغير أن المجلس الوطني التأسيسي يمارس "السلطة التشريعية طبقا لهذا القانون" أي أن النصوص التشريعية الصادرة عن المجلس لا بد أن تكون مطابقة لمقاصد القانون التأسيسي ولمنطوقه وهذا يحيلنا على ضرورة ضمان الحريات وحقوق الإنسان وهذا ما لا يتوفر في المشروع أما الفصل 6 من الدستور الصغير فقد وقعت أيضا مخالفته. فهذا الفصل حدد على سبيل الحصر النصوص التي تتخذ شكل قانون أساسي ولم يشر إلى اتخاذ نص ل"تحصين الثورة". كما إن المشروع مخالف للفصل 24 من الدستور الصغير المتعلق بالعدالة الانتقالية الذي كلف المجلس التأسيسي بسن قانون أساسي للعدالة الانتقالية وضبط أسسها ومجال اختصاصها. لكن المجلس تخلى عن هذه المهمة وانحرف بالسلطة صارفا اهتمامه عن مشروع العدالة الانتقالية الذي أعدته هيئة مختصة وتقدمت به الحكومة ومركزا على قانون تحصين الثورة الذي لا مستند قانوني له. 2 – 2. خرق قرار المجلس القومي التأسيسي الصادر في 25 جويلية 1957 المتعلق بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية ورد في اطلاعات الدستور الصغير ذكر قرار المجلس القومي التأسيسي الصادر في 25 جويلية 1957 المتعلق بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية. وكما هو متعارف فإن هذا القرار يتمتع بقيمة فوق دستورية وما ذكره في الاطلاعات المذكورة إلا تأكيد لبقائه حيز النفاذ. وقد تعرض هذا القرار الى أن السير في طريق النظام الديمقراطي هو وجهة المجلس والنظام الديمقراطي يقوم على تحكيم الشعب صاحب السيادة ولا يخول لأي كان أن يختا باسمه أو أن ينتقي له من هو جدير بالترشح للانتخابات أو لتقلد وظيفة عمومية. 2 – 3. خرق المبادئ العامة للقانون المتفق عليها بين الأمم تشكل المبادئ العامة للقانون في القانون الوطني وفي القانون الدولي مصادر للأحكام يرجع إليها القاضي المدني والإداري والدستوري والدولي أو كل من هو مكلف بتطبيق القانون للمحافظة على الشرعية القانونية وضمان حقوق الناس ضد كل الانتهاكات مهما كان مأتاها. وبالرجوع لمقتضيات مشروع القانون الأساسي المتعلق بالتحصين السياسي للثورة نلاحظ أن هذا المشروع ينتهك انتهاكا صارخا عددا لا يستهان بها من المبادئ العامة للقانون الراسخة في بلادنا والمتفق عليها دوليا حتى أن بعضها ارتقى لمرتبة القواعد الآمرة للقانون الدولي . فقد استحدث المشروع محل اهتمامنا عقوبة الحرمان من مباشرة عدد من الحقوق السياسية وتقلد بعض المناصب في الدولة والأحزاب السياسية عن وقائع سابقة لصدوره مخالفة للمبدأ القانوني الراسخ مبدأ عدم رجعية العقوبات. من ناحية أخرى فقد أنشأ المشروع قرينة إدانة ورتب عنها جزاء قانونيا يتمثل في عقبة جماعية دون حكم قضائي صادر إثر محاكمة عادلة تضمن فيها جميع الضمانات للمظنون فيه للدفاع عن نفسه وفي ذلك خرق سافر لمبدأ قرينة البراءة من ناحية ولمبدأ شخصية العقوبة من ناحية أخرى هذا علاوة على تجاوز المشرع لصلاحياته بممارسة اختصاص هو من صميم اختصاص السلطة القضائية و هذا يعد تجاوزا غير مقبول لمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء. وقد كانت المحكمة الدستورية العليا المصرية أكدت ذلك في حكمها الصادر في 14 جويلية 2012 بقولها: كما أسس المشروع عقوبات الحرمان من الحقوق والإقصاء من الحياة السياسية الواردة فيه على مجرد صفات وحالات لا على أفعال مادية معينة أو جرائم أو جنح أو مخالفات معروفة ومضبوطة بنصوص قانونية سابقة الوضع بل إنه ميز اعتباطا ودون معايير موضوعية مجردة وغير مشخصة بين بعض من تلك الوظائف دون أخرى مثل تغاضيه (لأمر واضح) عن إقحام عضوية مجلس المستشارين ضمن قائمة الوظائف الموجبة للحرمان والإقصاء. أخيرا فإن هذا المشروع مناف لمبدأ المساواة بين الموطنين الذي يعتبر الأساس للحقوق والحريات مهما كانت طبيعتها ضد كل تمييز قد ينال من الحق أو من الحرية. وإذا كان للمشرع الحق في تنظيم ممارسة الحق أو الحرية مع ضمان تكافأ الفرص فإن ذلك لا يخول له أبدا أن يسن تدابير وإجراءات تنم عن توجهات حزبية وحسابات فئوية تثير الضغائن والأحقاد و تقسم المجموعة الوطنية إلى مجموعات متناحرة. وباعتبار ان كل ما جاء في الشروع قد تضمن حرمانا لفئات من الشعب التونسي من مباشرة عدد من الحقوق السياسية ومن تولي بعض المناصب في الدولة لمدة سبع سنوات لمجرد تقلدهم مناصب حكومية أو حزبية أو انتخابية خلال كامل الفترة المتراوحة بين 7 نوفمبر 1987 و 14 جانفي 2011 فإنه يكون قد أقر تمييزا تشريعيا بين المواطنين التونسيين لا يرتكز على أسس او معايير موضوعية ومنطقية ويضع فوارق مصطنعة مخالفة لمبدأ المساواة ولمبدأ العدل بين المواطنين. كما إن المشروع لم يشترط إثبات أن من تولى المناصب الموجبة للإقصاء ارتكب أفعالا مخالفة للقانون كالرشوة والفساد أو التعذيب أو تجاوز السلطة. هكذا يتبين أن مشروع القانون الأساسي المتعلق بالتحصين السياسي للثورة مناف لأبسط المبادئ القانونية وأبعد ما يكون عن المفاهيم الديمقراطية وعن مستلزمات دولة الحق ويشكل انحرافا بالسلطة التشريعية ومصادرة لشعب صاحب السيادة في اختيار ممثليه دون وصاية و طريقة لا أخلاقية لتمكين أغلبية اليوم من التخلص من منافسين سياسيين وعدم مواجهتهم سياسيا في نطاق انتخابات حرة ديمقراطية مفتوحة شفافة ونزيهة.

jeudi 15 novembre 2012

Tunisie : Entre balbutiement constitutionnel et échéances politiques incertaines



 

Presqu’une année après les élections de l’Assemblée nationale constituante (ANC)[1], la Tunisie n’a toujours pas de Constitution et vit encore, plus de deux ans après la révolution du 14 janvier 2011,  sous un régime d’organisation provisoire des pouvoirs publics[2].

Au train où vont les travaux constituants, cet état de fait ne semble pas appelé à prendre fin dans un avenir proche et la Tunisie ne verra pas sitôt la mise en place de ses nouvelles institutions constitutionnelles.

Deux questions seront abordées dans cette communication :
-          Quelles sont les prémices de la future Constitution tunisienne à la lumière du « brouillon » de Constitution rendu public au courant de cet été[3] ?
-          Quelles sont les échéances prochaines probables ?

I – Les prémices de la future Constitution

L’œuvre constituante tunisienne a connu des débuts balbutiants. En effet l’ANC, élue le 23 octobre 2011,  n’a véritablement engagé la tâche pour laquelle elle a été élue (doter le pays d’une Constitution) que quatre  mois après son élection en organisant un débat général sur les principes directeurs de la future Constitution[4]. Par ailleurs, les six commissions constituantes[5] ont travaillé de façon indépendante les unes des autres et sans méthodologie ni plan de travail communs. Elles ont décidé d’adopter la méthode dite de la « feuille vierge » ou « blanche », c’est-à-dire, de laisser de côté tous les projets dont elles ont été saisies par différents partis, associations et groupes[6] dont notamment le projet des experts de l’ISSOR se contentant d’auditionner de temps en temps des experts ou des personnalités politiques. Cette méthode de travail a eu des répercussions extrêmement fâcheuses sur d’une part le rythme des travaux de l’ANC et sur d’autre part la qualité du travail produit.

En effet, les projets préparés dans le cadre des différentes Commissions constituantes ont été assemblés tels quel et rendus publics, le 14 août 2012, sous la dénomination « Projet de brouillon » de la Constitution[7].
La publication de la compilation des travaux des commissions a été à l’origine d’une forte réaction de la part des organisations de la société civile, de l’opposition, d’experts constitutionnels ainsi que de certains observateurs internationaux.

D’une manière générale, le texte se caractérise par une qualité de rédaction médiocre[8] souvent plus proche du style littéraire ou journalistique que du style juridique. Il se caractérise également par sa longueur, son caractère hétéroclite et confus avec pas mal de redondances et de répétitions. D’importantes controverses subsistent quant à la teneur du texte final sur plusieurs questions dont notamment le statut de la femme, la criminalisation de la diffamation du sacré, la normalisation avec Israël et le régime politique. Sur ce dernier point, la Commission compétente n’a pas pu trancher et a présenté deux versions, l’une adoptant un régime parlementaire parfait l’autre un régime mixte avec une nette prépondérance du gouvernement.

A ces imperfections, de forme et de fond, il faut ajouter l’ambivalence de la rédaction de plusieurs articles, ainsi que des omissions flagrantes (telles que celle du droit de vote ou encore l’absence de référence à l’universalité des droits de l’homme) et des incohérences telle que la relation entre le droit national et le droit international.

Quelques exemples pour illustrer ces propos :

-          L’article 4 (1 – 4 dans le brouillon) : «L’Etat protège la religion ; il est garant de la liberté de conscience et de l’exercice des cultes et le protecteur du sacré et le garant de la neutralité des lieux de cultes par rapport à la propagande partisane ». La notion de protection de la religion laisse la porte ouverte à toutes sortes d’interprétations et laisse en suspend la question de savoir de quelle religion il s’agit ! Il en est de même pour la notion de « sacré » qui peut être une notion fourre tout dangereuse pour la liberté de conscience et d’expression
-          Le chapitre 1er intitulé « principes généraux » et le chapitre II intitulé « droits et libertés » ont pratiquement le même objet. Dans le chapitre 1er il y a en réalité peu de principes généraux et beaucoup de droits et libertés dont certains sont répétés dans le chapitre II et parfois de manière contradictoire par rapport au chapitre I. Il en est ainsi par exemple de l’article 10 du chapitre 1er (« L’Etat doit protéger les droits de la femme, préserver l’entité familiale et en maintenir la cohésion ») et l’article 28 qui figure dans le chapitre II (« L’Etat garantit la protection des droits de la femme et l’appui de ses acquis en tant que partenaire réel de l’homme dans l’édification de la nation. Leurs rôles au sein de la famille sont complémentaires »).
-          Concernant les traités internationaux une contradiction est décelable entre l’article 38 (« Les traités ratifiés par le Président de la République et approuvés par l’Assemblée populaire ont une autorité supérieure à celle des lois ») et l’article 17 (« Le respect des traités internationaux est obligatoire, tant qu’ils ne sont pas contraires aux dispositions de la présente Constitution »). Outre la contradiction entre les deux articles, la disposition de l’article 17 est contraire au droit international, notamment à l’article 27 de la Convention de Vienne sur le droit des traités (« une partie ne peut invoquer les dispositions de son droit interne comme justifiant la non exécution d’un traité »).

Le brouillon de la Constitution a été soumis au Comité de coordination et de rédaction qui lui a apporté certaines modifications et améliorations et tranché certaines questions. Ainsi par exemple, la question de la complémentarité de la femme à l’homme a été retirée. Il en est de même pour la normalisation avec Israël. Cependant, la référence au sacré a persisté ainsi que la condition de conformité des traités internationaux à la Constitution pour leur exécution. Il y a lieu d’espérer que la discussion de ce projet en séance plénière, discussion qui a démarré le 23 octobre 2012, rattrape les insuffisances et prenne en considération les différentes observations faites par les juristes spécialistes ainsi que par plusieurs composantes de la société civile et ONG internationales, bien que la tournure prise par le débat jusqu’à maintenant n’incite pas à l’optimisme, certains députés tenant absolument dans leurs interventions à agiter des questions qu’on croyait tranchées telle la question de la référence à la Chariâa (loi islamique) comme source principale de la législation.

II – Les échéances politques

Juridiquement et politiquement, l’ANC aurait du terminer le travail pour lequel elle a été élue (« doter le pays d’une Constitution »), une année après la date de son élection, à savoir le 23 octobre 2012 et ce, conformément au décret  N° 2011-1086 du 03/08/2011portant convocation du corps électoral pour l’élection de l’Assemblée nationale constituante pour le 23 octobre 2011 qui dispose dans son article 6 : « « L'Assemblée nationale constituante […] se charge d'élaborer une constitution dans un délai maximum d'un an à compter de la date de son élection ».

Un autre texte est venu s’ajouter à ce décret, apportant confirmation que les limitations contenues dans le décret ne peuvent être transgressées. Ce texte peut être considéré comme une sorte de modus vivendi liant tous ses signataires à l’égard des électeurs. Il s’agit de la Déclaration sur le processus de transition, signée le 15 septembre 2011, par les plus hauts représentants de onze des douze partis politiques membres de l’Instance de sauvegarde des objectifs de la révolution, de la réforme politique et de la transition démocratique D-L n° 6 du 18 février 2011 portant création d’une Instance supérieure pour la réalisation des objectifs de la révolution, de la réforme politique et de la transition démocratique[9] qui avait élaboré et proposé au gouvernement provisoire tous les textes encadrant le processus électoral. Dans la déclaration, les signataires s’engagent à ce que « la durée du mandat de l’Assemblée Constituante n’excède pas une année au maximum afin que le pays puisse se consacrer aux questions fondamentales impérieuses, notamment, aux niveaux social et économique ». 

Pour justifier le non respect du délai d’une année deux arguments ont été avancés :
-          On a soutenu que l’ANC n’est pas tenue par de telles limitations de la nature et de la durée de son mandat car elle est souveraine (« maîtresse d’elle-même »). En réponse, il faut préciser que si l’ANC est effectivement souveraine, elle ne détient, et contrairement à ce qu’on veut bien faire croire aux citoyens, qu’un pouvoir constituant dérivé. Le pouvoir constituant originaire est toujours l’apanage du peuple. Pour paraphraser une affirmation célèbre du Conseil constitutionnel français, «  l’ANC n’est souveraine que dans le respect de la volonté populaire ». Les constituants eux-mêmes reconnaissent que le dernier mot appartient au peuple lorsqu’ils prévoient la possibilité de soumettre le projet de constitution à référendum en cas d’absence de majorité qualifiée au second tour du vote de l’ANC. Ainsi, étant un pouvoir constituant dérivé, l’ANC est nécessairement limitée quant à son objet et quant à sa durée.
-          On a soutenu également que la « loi constitutive » dite « petite constitution » du 16 décembre 2011[10] n’a prévu aucun délai et qu’elle aurait abrogé tous les textes qui lui sont antérieurs dont notamment le décret  N° 2011-1086 du 03/08/2011portant convocation du corps électoral pour l’élection de l’Assemblée nationale constituante. L’argument est on ne peut plus fallacieux car si le décret en question a été abrogé c’est l’existence même de l’ANC qui se trouve remise en cause !!!

Malgré ses arguments, et face à la montée de la contestation de la légitimité électorale de l’ANC et les appels à l’instauration d’une nouvelle légitimité consensuelle qui, sans remettre en cause l’existence de l’ANC et du gouvernement qui en est issu, trouverait un terrain d’entente sur un calendrier précis et contraignant pour les prochaines échéances, les partis de la coalition tripartite au pouvoir ont essayé de prendre tout le monde de court en publiant le 13 octobre un calendrier fixant la date de l’organisation des élections législatives et présidentielles au 23 juin 2013 avec éventuellement un second tour pour l’élection présidentielle le 7 juillet 2013. La date du 14 janvier 2013 a été également avancée pour l’adoption de la Constitution.

Ce calendrier, qui n’a pas fait l’objet de consultations préalables avec l’opposition et les autres partis politique, a été contesté car il souffre, non seulement d’absence de concertation, mais également de non réalisme. En effet, une fois la Constitution adoptée, il restera un travail colossal à accomplir avec notamment l’obligation d’adoption de deux textes fondamentaux. L’un relatif à l’instance qui devra conduire l’ensemble du processus électoral et surtout le code électoral. En réalité, seule l’instance électorale, une fois mise en place et opérationnelle, pourra déterminer avec précision le calendrier électoral.

A la lumière de ces quelques indications, l’horizon constitutionnel et politique de la Tunisie post révolutionnaire n’est toujours pas clair. La période transitoire risque de durer encore ce qui aura des répercussions assez fâcheuses sur non seulement sur le plan politque mais surtout sur le plan économique et social et sur la stabilité du pays.







[1] L’ANC a été élue le 23 octobre 2011
[2]  Deux périodes d’organisation provisoire des pouvoirs publics, régie chacune par un texte spécifique, doivent être distinguées :
-          La période allant du 15 mars 2011 au 16 décembre 2011 régie par le décret loi N° du 23 mars 2011
-          La période allant du 23 décembre 2011 et qui se poursuit encore est régie par la loi constitutive du 23 décembre 2011. Cf. JORT, N°97 des 20 et 23/12/2011, p : 3111
[3]  Le 13 Août 2012.
[4] L’Assemblée a entamé le processus d’élaboration de la Constitution le 13 février 2012. Elle a créé à cet effet six commissions permanentes, chacune étant responsable de la rédaction de chapitres spécifiques de la future Constitution. Les commissions ont auditionné à plusieurs reprises des experts tunisiens et internationaux, des membres du gouvernement, des représentants d’institutions et de la société civile ainsi que des universitaires, mais elles  se sont chargé elles- mêmes de la rédaction des articles sans le concours d’experts constitutionnalistes.
[5] Chaque Commission regroupe 22 membres, élus à la proportionnelle des groupes (132/217 membres au total). Ces Commissions sont les suivantes :
·         La Commission du préambule, des principes fondamentaux et de la révision de la Constitution ;
·         la Commission des droits et libertés ;
·         la Commission du pouvoir législatif, du pouvoir exécutif et des relations entre eux ;
·         la Commission de la justice judiciaire, administrative, financière et constitutionnelle ;
·         la Commission des instances Constitutionnelles ;
·         la Commission des collectivités publiques régionales et locales.
Chacune des six commissions est chargée de rédiger les articles de la Constitution qui relèvent de sa compétence, avant de soumettre son projet au Comité mixte de coordination et de rédaction, qui peut renvoyer à la commission son projet pour réexamen avant de le soumettre à la plénière.

[6] L’ANC a été saisie de pas moins de 40 projets de Constitution
[7] Le 10 août 2012, les six commissions avaient toutes rendu leurs travaux au Comité de coordination  
[8] Le projet de brouillon comporte un préambule, 171 articles répartis en neuf chapitres, certains chapitres étant eux-mêmes subdivisés en sections.
[9] "Autorité publique indépendante" créée en vertu du D-L n° 6 du 18 février 2011 portant création d’une Instance supérieure pour la réalisation des objectifs de la révolution, de la réforme politique et de la transition démocratique
[10]Cf. JORT, N°97 des 20 et 23/12/2011, p : 3111  

lundi 1 octobre 2012

حول قياس دستوري فاسد





في خضم المجادلات الدائرة منذ قرابة السنة في تونس حول المجلس الوطني التأسيسي المنتخب في 23 أكتوبر 2011 وحول خاصة التباطؤ الواضح المسجل في اضطلاعه بالمهمة التي انتخب من أجلها، أي وضع دستور للبلاد في أجل سنة من تاريخ انتخابه، يلجأ العديد من المعلقين للقياس عما حدث بين سنة 1956 وسنة 1959 من طول مدة عمل المجلس القومي التأسيسي المنتخب في 25 مارس 1956 والذي لم ينته من إعداد دستور البلاد إلا في غرة جوان 1959، أي أكثر من ثلاث سنوات من تاريخ انتخابه.
 وقد بنى الكثير انطلاقا من هذه التجربة التأسيسية الأولى، قياسا دستوريا فاسدا مفاده أن ما وقع إبان استقلال البلاد يمكن تكراره إثر ثورة 2011، متناسين عنوة ان الظروف الحالية غير تلك الظروف التاريخية العصيبة التي ميزت البلاد في فترة بناء الدولة للتخلص من براثن الاستعمار الغاشم وتحمل تبعات الحرب الاستعمارية بالجزائر، وغاضين خاصة الطرف عن حقيقة تباطؤ المجلس القومي التأسيسي المزعوم في أداء مهمته، موهمين المواطنين التونسيين، عن قصد، أن عدم الوفاء بالالتزام المقطوع من قبل أحد عشر حزبا في 15 سبتمبر 2011 في وثيقة المسار الانتقالي له ما يبرره من الحجج المستندة للتاريخ الدستوري التونسي.
وفي الحقيقة فقد تذكر هؤلاء شيئا (طول مدة إعداد دستور 1959) وغابت عنهم أشياء كثيرة :
أولا: خلافا لما جاء في الأمر الرئاسي )عدد 1086 لسنة 2011 المؤرخ في 3 أوت 2011 ) المتعلق بدعوة الناخبيين لانتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، فإن الأمر العلي المؤرخ في 29 ديسمبر 1955 المتعلق بإحداث مجلس قومي تأسيسي لم يتضمن في أي مادة من مواده تحديدا زمنيا لمهمة المجلس، وعليه فإن كل قياس بين الأمر العلي المذكور والأمر الرئاسي لسنة 2011 لا أساس له من الصواب وهو من باب السفسطة القانونية لا غير التي يؤتى بها لغرض التضليل وحجب الحقيقة.
ثانيا : خلافا لما يتردد بتواتر متعمد فإن الأمر العلي لسنة 1955 لم يكن له من العلو إلا الشكل، إذ يعلم الجميع أن كل ما نص عليه هذا الأمر أملي إملاء من طرف الزعماء الدستوريين على الحكومة وعلى البلاط الملكي. ومعلوم أنه لما حاول ابن الباي آنذاك (الأمير الشاذلي باي) إدخال تنقيحات على الأمر تتعلق خاصة بالمحافظة على امتيازات العائلة المالكة وتأخير عرض المشروع على "الطابع السعيد"، اندلعت أزمة بين القصر والحزب الدستوري انتهت بفوز هذا الأخير إذ أصدر الباي الأمر المذكور رغما عنه وهو واثق أنه أمضى على وثيقة نهايته ونهاية العهد الحسيني. وعليه فإن دور الباي كان شكليا لا غير وسلطته لا يمكن ربطها بأي شكل من أشكال الشرعية. على عكس ذلك فإن أمر 2011 صدر عن سلطة تتمتع بشرعية توافقية ووظيفية انتصبت إثر حصول إجماع حول إنهاء العمل بدستور1959 والاعتماد على مؤسسات انتقالية هدفها تنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. وقد تم تأكيد ما جاء بالأمر من تحديد زمني وموضوعي لمهمة المجلس الوطني التأسيسي باتفاق 15 سبتمبر 2011 حول المسار الانتقالي فجاءت الإرادة السياسية مؤكدة للقاعدة القانونية ومضفية عليها التزاما معنويا وأخلاقيا داعما للشرعية التوافقية. وإذا اعتقد البعض ان الأمر المذكور فاقد لكل شرعية فإن ذلك يؤدي إلى انتفاء الشرعية عن كل ما ترتب عنه من نتائج وأولها وبالذات انتخابات 23 أكتوبر 2011.
ثالثا: يدعي الكثير أن المجلس القومي التأسيسي لم يلتزم بالمحددات التي جاء بها الأمر العلي المذكور وخاصة ما قد اقتضاه فيما يتعلق بشكل النظام وما قد يكون فرضه على المجلس من إعداد دستور ملكي، مضيفين أن التزام المجلس بالأمر العلي ما كان ليتيح للمجلس القومي التأسيسي إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية . والموقف من هذه المسألة لا يخلو أيضا من تضليل ومن وقوف عند ظواهر الأمور. فالأمر العلي المذكور حدد مهمة المجلس ب"سن دستور لمملكتنا"، وذكر كلمة "مملكتنا" لا تأثير له على شكل النظام بل يشير إلى الإطار المكاني الذي دعي المجلس لإعداد دستور له، وهو المملكة التونسية التي عوضت الإيالة التونسية إثر اتفاقيات الحكم الذاتي الموقعة في 3 جوان 1955. فاستعمال كلمة "مملكتنا" في الأمرالعلي مرادف لاستعمال كلمة "البلاد" في أمر 2011 ولذلك فإن المجلس لم يخرج عن الإطار القانوني المحدث له.
رابعا: يردد الكثير، ودون رجوع للتاريخ والوثائق، ان إعداد دستور غرة جوان 1959 اقتضى ثلاث سنوات ونيف من العمل التأسيسي وهذا هو عين المغالطة ألتاريخية. فالمجلس القومي التأسيسي الذي افتتح أشغاله رمزيا في 8 أفريل 1956، أياما معدودات إثر الإمضاء على بوتوكول 20 مارس 1956، لم يخصص لعمله التأسيسي البحت سوى 19 جلسة من مجموع 52 جلسة عقدها بين 1956 و 1959. ففي سنة 1956 خصص المجلس جلستين لا غير لمناقشة الدستور. ولم يخصص المجلس سنة 1957 أي جلسة للدستور. وخلافا لما يظن البعض فإن مرد ذلك لم يكن لعدم استيفاء اللجان الخمسة عملها، بل لما طرأ من أحداث على الساحة الداخلية من انتهاكات الجيش الفرنسي المتواجد على الأراضي التونسية أو القادم من الجزائر للسيادة الوطنية أدت إلى إيلاء العناية والأولوية لجلاء القوات الفرنسية عن الثكنات التي كانت تحتلها في مواقع مختلفة من الوطن وخاصة بالجنوب التونسي. فاللجان التأسيسية قامت بما أنيط بعهدتها في الآجال المعقولة سواء في بداية عملها حول مشروع الملكية الدستورية أو إثر إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957، ناهيك أن مشروع الملكية الدستورية كان جاهزا منذ 9 جانفي 1957 (ثمانية أشهر بعد الانتخابات) في حين نشر مشروع الجمهورية الرئاسية المعروض على الجلسة العامة بالرائد الرسمي لمداولات يوم 27 جانفي 1958 (ستة أشهر لا غير بعد إعلان الجمهورية) وقدم المرحوم علي البلهوان تقريره العام في للجلسة العامة في نفس اليوم.
بناء على كل ما سبق، (ويمكن الرجوع إلى الكتاب الذي نشر في نطاق الجمعية التونسية للقانون الدستوري سنة 1986 والذي جمعت فيه أعمال الملتقي حول المجلس القومي التأسيس الملتئم بقصر المؤتمرات بتونس من 29 إل 31 ماي 1984 على كل الجزئيات والوثائق التي نشرت لأول مرة) يتضح أن كل قياس على ما وقع بين 1956 و 1959 لا يستقيم لا قانونا ولا منطقا وهو مبني في غالب الأحيان على مقارنات سطحية وعدم اطلاع على الوثائق وعلى مجريات العمل التأسيسي لسنة 1959. لذلك وجب الكف عن ترديد مثل هذه المغالطات وإيجاد الحلول التوافقية المثلى للانتهاء من إعداد الدستور في أسرع الآجال وتدارك ما فات من تضييع للوقت للخروج بالبلاد من هذه الفترة الانتقالية التي كلما تمددت تفاقمت سلبياتها السياسية والاقتصادية.